مجمع البحوث الاسلامية

611

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ابن عطيّة : يَسْتَبْشِرُونَ * معناه يسرّون ويفرحون . وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب البشارة ، بل هي بمعنى استغنى اللّه واستمجد المرخ والعفار . وذهب قتادة والرّبيع وابن جريج وغيرهم : إلى أنّ هذا الاستبشار إنّما هو بأنّهم يقولون : إخواننا الّذين تركناهم خلفنا في الدّنيا يقاتلون في سبيل اللّه مع نبيّهم فيستشهدون ، فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه فيسرّون لهم بذلك ؛ إذ يحصلون ، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وذهب فريق من العلماء ، وأشار إليه الزّجّاج وابن فورك : إلى أنّ الإشارة في قوله : بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا إلى جميع المؤمنين ، أي لم يلحقوا بهم في فضل الشّهادة ، لكن الشّهداء لمّا عاينوا ثواب اللّه ، وقع اليقين بأنّ دين الإسلام هو الحقّ الّذي يثيب اللّه عليه ، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم اللّه من فضله وَيَسْتَبْشِرُونَ للمؤمنين بأنّهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . ( 1 : 541 ) الفخر الرّازيّ : وفي الآية مسائل : الأولى : الاستبشار : السّرور الحاصل بالبشارة ، وأصل الاستفعال طلب الفعل ، فالمستبشر بمنزلة من طلب السّرور ، فوجده بالبشارة . الثّانية : اعلم أنّ الّذين سلموا كون الشّهداء أحياء قبل قيام القيامة ذكروا لهذه الآية تأويلات أخر : أمّا الأوّل : فهو أن يقال : إنّ الشّهداء يقول بعضهم لبعض : تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صفّ المقاتلة مع الكفّار فيقتلون إن شاء اللّه فيصيبون من الرّزق والكرامة ما أصبنا ، فهو قوله : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ . وأمّا الثّاني : فهو أن يقال : إنّ الشّهداء إذا دخلوا الجنّة بعد قيام القيامة يرزقون فرحين بما آتاهم اللّه من فضله . والمراد بقوله : لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ هم إخوانهم من المؤمنين الّذين ليس لهم مثل درجة الشّهداء ، لأنّ الشّهداء يدخلون الجنّة قبلهم ، دليله قوله تعالى : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً النّساء : 95 ، 96 ، فيفرحون بما يرون من مأوى المؤمنين والنّعيم المعدّ لهم ، وبما يرجونه من الاجتماع بهم ، وتقرّ بذلك أعينهم ، هذا اختيار أبي مسلم الأصفهانيّ والزّجّاج . واعلم أنّ التّأويل الأوّل أقوى من الثّاني ؛ وذلك لأنّ حاصل الثّاني يرجع إلى استبشار بعض المؤمنين ببعض بسبب اجتماعهم في الجنّة ، وهذا أمر عامّ في حقّ كلّ المؤمنين ، فلا معنى لتخصيص الشّهداء بذلك . وأيضا فهم كما يستبشرون بالّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، فكذلك يستبشرون بمن تقدّمهم في الدّخول ، لأنّ منازل الأنبياء والصّدّيقين فوق منازل الشّهداء ، قال تعالى : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ النّساء : 69 ، وعلى هذا التّقدير لا يبقى فائدة في التّخصيص . أمّا إذا فسّرنا الآية بالوجه الأوّل ، ففي تخصيص المجاهدين بهذه الخاصّيّة أعظم الفوائد ، فكان ذلك أولى ، واللّه أعلم . [ إلى أن قال : ]